Skip to main content

العنف الطائفي يعرّض فرص الاستقرار في سوريا للخطر

الغارات الإسرائيلية في الجولان، وجود تنظيم الدولة الإسلامية في الشمال الشرقي، والتحديات المتعلقة بتماسك وتوحيد القوات الأمنية ستُشكّل اختبارًا للرئيس الشرع.

11 December 2025 7-minute read

Also available in English

Sectarian violence threatens Syria’s chance at stability

Tribal and Bedouin fighters deploy in southern Syria's predominantly Druze city of al-Suwayda amid clashes with Druze gunmen on 19 July 2025. Photo by Abdulaziz Ketaz/AFP via Getty Images.

Author

بالارقام

من 1 يناير إلى 28 نوفمبر 2025:

  • قُتل أكثر من 4,670 مدنياََ نتيجة استهدافات مباشرة في أنحاء سوريا.
  • تُظهر بيانات ACLED انخفاضاََ بنسبة 44% في عدد الأحداث العنيفة مقارنة بالأشهر ال11 الأولى من عام 2024.
  • نفذت اسرائيل أكثر من 150 غارة جوية وضربة مدفعية في سوريا.

كان 2025 عاماََ مفصلياََ لسوريا. بعد الهجوم الخاطف الذي أنهى حكم عائلة الأسد الذي استمر لمدة 53 عام، نصّب احمد الشرع، قائد هيئة تحرير الشام (HTS) نفسه رئيساََ انتقالياََ لسوريا. قاد جهود لتعزيز موقع سوريا الدولي وتفكيك نظام العقوبات، في سياق استعادة الهدوء إلى دولة أنهكتها 13 عاماََ من الحرب الأهلية. تعكس النتائج صورة متباينة. تراجع العنف بنسبة 44% مقارنة بعام 2024 في إنجاز بارز على الرغم من مشهد سياسي منقسم واضطرابات إقليمية. ولكن هذا التراجع لم يكن موزع بشكل متساوي (انظر للخريطة أدناه)، مزيج من التنافس السياسي، العنف الطائفي والتدخل الخارجي - الذي أسفر بأكمله عن ما لا يقل عن 7,692 قتيلًا بسبب النزاع - على هشاشة المرحلة الانتقالية في سوريا.

AR_SyriaMap-1.jpg

في معظم أنحاء البلد، انخفض العنف اليومي بشكل ملحوظ نتيجة نجاح الإدارة الانتقالية في تعزيز سلطتها ضمن مناطق سيطرتها. مع سقوط نظام الأسد، أعادت تنظيم الجهاز الأمني من خلال دمج فصائل المعارضة ووحدات سابقة تابعة لهيئة تحرير الشام ضمن تسلسل قيادي رسمي تم نشره في مناطق شمالي ووسط سوريا.1 في محافظات مثل حلب، إدلب، حماة والرقة، تولّت الجماعات المسلحة التي باتت الآن ضمن البنية الأمنية للحكومة الانتقالية على مهام الدفاع الإقليمي مع تركيزها على الضبط الأمني المحلي.

غير أن هذا الاستقرار لم يشمل المناطق التي تقطنها أقليات، حيث عجزت الدولة عن ترسيخ سلطتها بشكل كامل.2 في السويداء والمنطقة الساحلية، رفضت فصائل درزية وعلوية الانخراط في النظام الامني والاداري الانتقالي. اندلعت اشتباكات بين قوات موالية للجيش السوري الجديد وجماعات مسلحة مرتبطة بالأقليات وعناصر من نظام الأسد السابق، والتي ببعض الحالات تصاعدت إلى عمليات قتل جماعي ذات طابع طائفي. سجّلت خمسة محافظات اشتباكات عنيفة وعمليات قتل طالت مجتمعات درزية وعلوية - وهي اللاذقية، السويداء، طرطوس، حماة، وحمص - أكثر من 4,600 وفيات، ما يعادل نحو 60% من إجمالي الوفيات المسجلة في البلد. حوّلت هذه الحوادث محافظات كانت هادئة سابقًا إلى بؤر دامية وسلّطت الضوء على صعوبة الإدارة الجديدة في ضبط الفصائل المتشددة ومنع الردود الانتقامية التصعيدية. 

وعاد تنظيم "الدولة الاسلامية" الى أنماطه المعتادة بوصفه قوة متمرّدة متماسكة تنشط من الشمال الشرقي والبادية الوسطى. بعد عودته في عام 2024، تراجع نشاط التنظيم إلى مستوى معتدل نسبياً في 2025. تركّزت معظم الهجمات في مناطق تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أو على الطرق الصحراوية التي تقوم بدوريات فيها، وشملت استهدافات على مواقع أمنية وعمليات فرار من السجون.3 وعلى الرغم من الاقتحامات والاعتقالات المشتركة بين القوات السورية وقسد، واصل تنظيم “الدولة الإسلامية” في تعديله التكتيكي والبحث عن فرص أتاحها ضعف الإدارة المحلية، خصوصًا قرب أماكن الاحتجاز والمخيمات المكتظة.4

في المواقف التي لم تتمكن الحكومة الجديدة في تعزيز سلطتها واستعادة الخدمات الأساسية، تدخلت الجهات الخارجية لتشكيل البيئة الامنية. واصلت إسرائيل بتوسيع نطاق عملياتها العسكرية عبر غارات استهدفت منشآت عسكرية وتوغلات في أنحاء البلاد، ولا سيما في الممر الجنوبي حيث تجاوزت منطقة الفصل المتفق عليها عام 1974. شمالاََ، كثّفت تركيا الضغوطات العسكرية على مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في ظل سعيها إلى صوغ ترتيبات محلية. 

قد تبدو سوريا أكثر استقراراََ ظاهرياََ، لكن أسس هذا الاستقرار لا تزال ضعيفة. يروي نمط العنف خلال العام الماضي القصة بوضوح: تراجعَ عدد الحوادث من أكثر من 1000 في يناير إلى 400 في أكتوبر، إلا أن هذا التراجع لم يكن خطّياََ (انظر للرسم البياني أدناه). بل انقطعت فترات الهدوء مرارًا وتكرارًا بحوادث عنف دامية. تدل هذه التقلبات على أن، رغم توسّع الإدارة الانتقالية في عدد من المناطق، فإن قدرتها على الحكم وفرض الأمن لا تزال متفاوتة. 

هل سيصمد التوازن الضعيف لدى سوريا في 2026؟

ستشكّل الأنماط المتفاوتة للعنف في عام 2025 الضغوطات التي ستواجهها سوريا في العام المقبل. اولاََ، تستمر الإدارة الجديدة في السعي إلى إصلاح جهازها الأمني. من خلال تشديد البنى القيادية، ودمج الفصائل والوحدات المعارضة، و إصلاح اجهزة الشرطة ولجان الأمن المحلي،  تسعى الادارة الجديدة إلى تأمين مناطق مثل إدلب وغربي حلب.5 تأتي هذه الخطوات ضمن جهود للحفاظ على النظام والأمن، والذي يشكّل شرط لإعادة تواصل سوريا مع شركائها الخارجيين. حتى الآن، هذه التغييرات قد ساهمت في تراجع العنف في بعض المناطق الشمالية. ولكن تعثّر الإصلاحات قد يؤدي الى بقاء فسيفساء من الجماعات ذات الولاءات المنقسمة وخطر أكبر في نشوب نزاعات مستقبلية.   

ثانياََ،  الانفتاح الدبلوماسي المتجدد لسوريا خارج حدودها یعید تشكيل المشهد الأمني.6 تشير إزالة الرئيس الشرع من قوائم الإرهاب، وتزايد تعاون الحكومة مع القوات الأمريكية ضد تنظيم "الدولة الإسلامية"، إلى جانب النقاشات حول انضمام سوريا الى التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، إلى تحوّلات جيوسياسية كبيرة. التنسيق مع تركيا في 2025 قد ساهم في تحسين الوضع الأمني في المحافظات الكردية في الشمال الشرقي. مع الدعم الأمريكي، أتاح اتفاق في أكتوبر 2025 بدمج وحدات قسد ضمن صفوف الجيش السوري بصفتها تشكيلات قائمة بذاتها، مع درجة من الاستقلالية وهياكل قيادية داخلية. مدى سلاسة تنفيذ هذا الاندماج سيحدد مستوى الاستقرار في الشمال الشرقي خلال عام 2026.

المحادثات الجارية مع لبنان والعراق تسعى الى تشديد الضبط الحدودي و كبح طرق التهريب. ولكن المسار الأشد تأثيراََ يكون القناة التي تتوسط فيها الولايات المتحدة بين سوريا واسرائيل. في حال تقدّمت هذه المفاوضات، قد تتراجع الضربات الإسرائيلية وقد يستقر الوضع الأمني على جبهة الجولان. الا ان تعثّر المفاوضات أو فشلها قد يؤدي إلى تصعيدات جديدة، خاصة في محافظتي السويداء ودرعا.

ثالثاََ، يتيح الاستقرار الاقتصادي الكلي لسوريا الانفتاح على الأسواق المالية الدولية. توحي تخفيف عقوبات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، و تجدد اهتمام دول الخليج والمحادثات الأولية مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى احتمال حصول سوريا على دعم مالي في عام 2026.7 الدعم الاقتصادي قد يساعد الحكومة الانتقالية على تعزيز قدراتها الحكومية، استقرار الرواتب، إصلاح الخدمات الأساسية، وتقليل اعتمادها على الجباية غير الرسمية أو على وسطاء مسلحين. إلا أن مع غياب الشفافية في الإدارة، الموارد الجديدة قد تؤدي بسهولة إلى تقوية الشبكات الزبائنية القائمة أو تأجيج المنافسة بين النخب المحلية، ما يرفع مخاطر تجدد العنف.

رابعاََ، لا تزال التوترات الطائفية في مناطق الأقليات شديدة التقلب. مشاركة الفصائل التابعة للسلطة الانتقالية في العنف ضد المدنيين في السويداء وطرطوس خلّفت صدمات عميقة وأضعفت الثقة. لم تشهد هذه الأحداث سوى قدر محدود من المساءلة والمصالحة. كما أن التحقيقات التي أجرتها الادارة الجديدة قلّلت من أهمية الدوافع الطائفية و فشلت في انضباط الفاعلين، ما ادّى إلى مخاوف حول قدرة الإدارة على تأثير الفصائل المتشددة.8 وكما تبيّن مرارًا على مدار العام الماضي، قد يخفي الهدوء النسبي مظالم قد تندلع لاحقاََ في حلقات عنف أكثر دموية. إذا لم تحسم هذه القضايا، قد تتجه المجتمعات الدرزية والعلوية نحو مجموعات للدفاع الذاتي، أو دعم خارجي، أو المزيد من المطالب بحكم ذاتي.

وتظّل عودة تنظيم "الدولة الإسلامية" شبحًا يخيّم على مجمل هذه الديناميكيات. قد رسخ التنظيم نفسه في الشمال الشرقي ويبحث عن فرص لاستغلال نقاط ضعف النظام الأمني الناشئ. في حال انسحاب القوات الامريكية، او تدهور التعاون بين القوات السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فمن المرجح أن يتجه تنظيم “الدولة الإسلامية” نحو عمليات عالية التأثير، من بينها اغتيالات مستهدفة، تخريب البنية التحتية، ومحاولات جديدة لتهريب محتجزين.9 تشير المداهمات الأمنية في أواخر عام 2025 إلى تحسّن الاستخبارات السورية، ومع ذلك التنظيم لا يزال قادر على تنفيذ هجمات رمزية و محاولات اغتيال تستهدف كبار المسؤولين، بما يؤكد أن التهديد لا يزال قائمًا.10

Conflict Watchlist 2026

Share on

Related content