Skip to main content

القادة يشددون السيطرة بينما القمع يطغى على انتخابات العراق لعام 2025

رغم أنّ مستوى العنف في العراق هو في أدنى مستوياته منذ سقوط صدام حسين عام 2003، إلّا أنّ الاستقرار النسبي قبل انتخابات تشرين الثاني هو نتيجة القمع السياسي الذي يمارسه القادة السياسيون الذين بدأت شرعيتهم تتآكل.

5 November 2025 15-minute read

Also available in English

A view of the streets of Baghdad decorated with candidates' propaganda posters ahead of the Iraq general elections on 11 November 2025.

A view of the streets of Baghdad decorated with candidates' propaganda posters ahead of the Iraq general elections on 11 November 2025. Photo by Murtadha Al-Sudani/Anadolu via Getty Images.

Authors

أبرز النقاط

  • تراجع العنف في مختلف أنحاء العراق إلى أدنى مستوياته منذ عام 2003، لكن هذا الهدوء يعكس توطيد السلطة بيد القادة أكثر مما أنه يعكس استقرارًا حقيقيًا.
  • بينما شابت الانتخابات السابقة أعمال عنف من قبل الميليشيات، تتميّز دورة عام 2025 بالقمع الغير العنيف — عبر الأحكام القضائية، واستبعاد المرشحين، وشراء الأصوات بشكل ممنهج.
  • التحالفات الشيعية ترسّخ هيمنتها عبر مؤسسات الدولة، بينما تقمع الأحزاب الكردية خصومها من خلال الاعتقالات والترهيب، فيما تبقى الكتل السنية منقسمة نتيجة التلاعب القضائي والتهميش.
  • الضغوط الداخلية والدولية لتنظيم أو نزع سلاح الجماعات المسلحة — إلى جانب العقوبات الأميركية وحوادث محددة مثل اغتيال المرشح السني صفاء المشهداني — حوّلت قضية نزع السلاح إلى قضية انتخابية مؤدية  للانقسام.
  • انتخابات العراق لعام 2025 تُبرز مفارقة واضحة: فعلى الرغم من استمرار الإجراءات الانتخابية بالشكل المعتاد، إلا أنّ المشاركة السياسية والشرعية الشعبية تستمرّ بالتآكل، إذ يُتوقّع أن تصل نسبة الإقبال على التصويت إلى أدنى مستوياتها تاريخيًا.

بعد مرور عقدين على سقوط صدام حسين، تحوّل النظام السياسي في العراق إلى منظومة مُحكمة تُنظَّم فيها الانتخابات، لكن نادرًا ما تُفضي إلى إعادة توزيع حقيقية للسلطة. وتشهد الانتخابات البرلمانية في تشرين الثاني من عام 2025 — السابعة للعراق منذ عام 2005 — هدوءً متناقضًا: فقد تراجع العنف بشكل كبير، لكن المنافسة السياسية فقدت جوهرها. الدورات المتكررة من التمرد والاحتجاج والمساومات بين النخب التي كانت تحدد الحياة السياسية في العراق تحوّلت إلى الاحتواء.

سنوات من الصراع ونظام تقاسم السلطة المعروف بـ«المحاصصة» رسّخت سلطة القادة الطائفيين العرقيين الذين أصبحوا يسيطرون على مفاتيح الدولة والمحسوبية. ومع سيطرتهم على المحاكم والوزارات وأجهزة الأمن، حوّل هؤلاء الانتخابات إلى ممارسة لضمان الاستمرارية المُدارة. قبل انتخابات عام 2025، تم احتواء المنافسة بشكل استباقي عبر وسائل عنيفة وغير عنيفة على حد سواء، مما أعاد تعريف المشهد السياسي. وتتميز انتخابات عام 2025 بتشديد السيطرة عبر آليات مألوفة: التلاعب بالقوانين الانتخابية، الاستبعاد الانتقائي للمرشحين، شراء الأصوات بشكل واسع، وترهيب أو استقطاب الجهات الإصلاحية والمرتبطة بالاحتجاجات.

هذا التوطيد للسلطة جلب استقرارًا نسبيًا على حساب تآكل الديمقراطية. لذا، ستختبر انتخابات عام 2025 ليس ما إذا كان العراق قادرًا على إجراء اقتراع سلمي — فهو على الأرجح سيتمكن من ذلك — بل ما إذا كان نظامه السياسي قادرًا على الصمود أمام الضغوطات الداخلية والخارجية المتزايدة لإجراء إصلاحات. فالمنافسة الحقيقية تتجاوز صناديق الاقتراع: فهي تدور حول مستقبل السلاح، والمساءلة، وما إذا كان النظام العراقي بعد عام 2003 قادرًا على الاستمرار في إعادة إنتاج نفسه دون اللجوء إلى الإكراه المتجدد.

الانتخابات تعيد تشكيل السلطة من خلال القمع بدلًا من الانكسار الديمقراطي

على مدى العقد الماضي، شهد العراق انخفاضًا ملحوظًا في النزاع  المسلح والعنف السياسي.1 وتُظهر بيانات ACLED انخفاض الحوادث الشهرية من ذروات تجاوزت 1,000 خلال فترة داعش إلى أقل من 100 في معظم عامي 2024 و2025 (انظر للرسم البياني أدناه). لذلك، تُجرى الانتخابات البرلمانية في تشرين الثاني من عام 2025 في بيئة أكثر هدوءًا نسبيًا. ومع ذلك، لم يتحوّل هذا الهدوء والاستمرارية النسبية إلى ديمقراطية أكثر فاعلية.

Political violence and demonstrations in Iraq* 1 January 2016 - 24 October 2025**

النظام السياسي الذي نشأ بعد عام 2003 يوزّع السلطة عبر نظام «المحاصصة»، الذي يوزع الصلاحيات والموارد الدولة بين الأحزاب الطائفية والعرقية. قد صُمم هذا النظام لمنع هيمنة أي مجموعة واحدة، لكنه في الواقع رسّخ صفقات تضمن وصول الفصائل القائمة إلى السلطة في الدولة. وتُجرى هذه الانتخابات بانتظام، لكن نتائجها تتشكل أكثر من خلال الصفقات، وتأثير الميليشيات، وشبكات المحسوبية، بدلًا من إرادة الناخبين.2 على أرض الواقع، عملت هذه الانتخابات أكثر كإعادة ضبط للقيادة بدلًا من أن تكون لحظات فاصلة في المسار الديمقراطي. ونتيجة لذلك، الانتخابات هي ليست الساحة الرئيسية للمنافسة؛ إذ يتصارع النخب في المقام الأول على الريع والوزارات والنفوذ، وأحيانًا يلجأون إلى العنف أو أساليب خارج البرلمان عند فشل المفاوضات.3

تساعد هذه الديناميكية على تفسير سبب عدم ارتباط دورات الانتخابات في العراق بارتفاعات حادة في الاضطرابات الداخلية. كما توضح بيانات ACLED، فإن الذروات الكبيرة في العنف السياسي والتظاهرات مرتبطة بالأزمات الأوسع من توقيت الانتخابات: حرب تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) 2014-2017، وتظاهرات تشرين وما تلاها من قمع للمظاهرات والنشطاء 2019-2021، تفوق بوضوح الاضطرابات المرتبطة بالانتخابات. حتى الاشتباكات وأعمال الشغب التي تلي الانتخابات في العراق، مثل اشتباكات بغداد في عام 2022 بين الخصوم الشيعة، غالبًا ما ترتبط بالمفاوضات وتشكيل الحكومة، وليس بالاقتراع نفسه، مما يوضح أن أعنف الصراعات السياسية في العراق غالبًا ما تحدث بعد التصويت، خلال المساومات حول بناء التحالفات والسيطرة على مؤسسات الدولة.

An Iraqi protester takes cover behind a shield during a violent anti-government protest on al-Rasheed Street in Baghdad, Iraq.

An Iraqi protester takes cover behind a shield during a violent anti-government protest on al-Rasheed Street in Baghdad, Iraq. Photo by Ameer Al Mohammedaw/picture alliance via Getty Images.

ومقارنة بالدورات الانتخابية السابقة، انخفض العنف في يوم الانتخابات أيضًا. ففي عام 2018، كان العنف أكثر وضوحًا، مع اغتيالات للمرشحين، وهجمات داعش على مراكز الاقتراع، وتظاهرات واسعة في كركوك بسبب ادعاءات التزوير.بحلول عام 2021، تحولت الحوادث نحو اشتباكات محلية، وأعمال تخريب، وهجمات متفرقة من قبل داعش. أما الانتخابات المحلية في ديسمبر عام 2023 وانتخابات إقليم كردستان عام 2024، فقد عكست انخفاضًا أكبر في عدد الوفيات، رغم استمرار الترهيب والهجمات محدودة النطاق.4

وفي عام 2025، تُظهر بيانات ACLED استمرار انخفاض العنف السياسي، مع وجود ارتفاعات قصيرة الأمد تتركز فقط في بؤر محلية مثل السليمانية وكركوك، وحوادث عنف ذات دوافع قبلية في جنوب البلاد. ظلّ العنف المرتبط بالانتخابات محدودًا أيضًا، مع وقوع بعض الحوادث التي استهدفت المرشحين والحملات الانتخابية فقط — أبرزها اغتيال صفاء المشهداني، مرشح تحالف السيادة السني في بغداد، الذي قُتل بتفجير قنبلة تحت مركبته.5 تشير هذه الحوادث العنيفة إلى احتمال وقوع المزيد من الحوادث مع اقتراب يوم الانتخابات. ومع ذلك، يشير هذا النمط أيضًا إلى تضييق مستمر: فقد أصبح العنف متقطعًا ومحدودًا بمناطق معينة، بينما أبقى التواجد الأمني الموسع للدولة معظم الحوادث قصيرة ومحصورة جغرافيًا.

وفي الوقت نفسه، يبرز انخفاض الصراعات واسعة النطاق كيف أن النخب رسخت سيطرتها على المستوى الوطني من خلال تحويل النزاعات إلى أشكال محلية والاعتماد على القمع غير العنيف عبر المؤسسات. بعد أن اجتازوا الحروب والتمرد وموجات الاحتجاج التي كانت تهدد سلطتهم، باتت الفصائل الحاكمة تعتمد أقل على العنف الصريح وأكثر على السيطرة المؤسسية لاستباق المنافسة وتشكيل انتخابات عام 2025 لصالحهم. تم إعادة النظام الانتخابي إلى دوائر انتخابية على مستوى المحافظات، ملغيًا الإصلاحات التي أُدخلت عام 2019 بفعل الاحتجاجات، والتي كانت تمنح الأفضلية للمرشحين المستقلين والمحليين. وأقصت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات عشرات المرشحين، بما فيهم الإصلاحيين والشخصيات المرتبطة بالاحتجاجات، غالبًا لأسباب غامضة أو ذات دوافع سياسية. كما وصل شراء الأصوات إلى مستويات غير مسبوقة، حيث يوزع المرشحون والأحزاب بشكل علني بطاقات هاتف مسبقة الدفع، وقسائم وقود، أو أموال نقدية مقابل الدعم — وهو شكل متجذر من الإكراه الاقتصادي.

في الوقت نفسه، أصبح الترهيب والاستتباع أدوات أساسية للسيطرة على الفاعلين المستقلين والمعارضين. تواجه الحركات التي وُلدت من الاحتجاجات محاولات اختراق أو دفع للانضمام إلى تحالفات مع الأحزاب المسيطرة، بينما يواجه الصحفيون ومنظمات المجتمع المدني مراقبة، وحواجز ترخيص، أو تهم تشهير تحدّ من قدرتهم على مراقبة الحملات الانتخابية. في مختلف المحافظات والوزارات وأجهزة الأمن المرتبطة بالكتل الحاكمة، تُستخدم التعيينات، وتقديم الخدمات، والوصول الأمني كأدوات للضغط الانتخابي.

وفي السياق نفسه، لا يعكس انخفاض العنف السياسي العلني استقرارًا ديمقراطيًا، بل نجاح النخب في فرض السيطرة والاحتواء. ومن خلال احتكار الأجهزة الإدارية والمالية والقانونية للدولة، حوّل صانعو القرار في العراق الانتخابات إلى منافسات مُدارة — طقوس تحافظ على هيمنتهم بينما تهمّش القيادات البديلة. وبالتالي، لا يُعدّ التصويت في عام 2025 اختبارًا للمنافسة الديمقراطية بقدر ما هو تأكيد على من يسيطر على أجهزة الدولة.

كيف تشكّل السياسات الشيعية والسنية والكردية انتخابات عام 2025

سمحت دورات العنف والصراع للفصائل المسيطرة بتعزيز سيطرتها عبر الخطوط الطائفية والإقليمية. قبل انتخابات عام 2025، لم تختفِ المنافسة؛ بل أعيد تشكيلها وتقييدها (انظر للخريطة أدناه). وتوجّه التحالفات الشيعية هيمنتها الآن عبر مؤسسات الدولة، بينما تدير الأحزاب الكردية التنافس من خلال القمع في محافظاتها، وتبقى الكتل السنية مشتتة تحت ضغط التهميش المستمر. في هذه الساحات، باتت الانتخابات تُعرف بشكل متزايد من خلال احتواء المنافسة بدلًا من الصراع المفتوح.

السياسة الشيعية: من المواجهة المسلحة إلى السيطرة القانونية والمؤسسية

اعتمدت الأحزاب الشيعية، التي يحتفظ العديد منها بأجنحة مسلحة، تاريخيًا على العنف والترهيب لتثبيت سلطتها، لا سيما في بغداد والجنوب (انظر للخريطة أدناه). من قتل واختطاف النشطاء خلال احتجاجات تشرين عام 2019-2020، إلى محاولات اغتيال المعارضين وترهيب وضم أعضاء البرلمان المستقلين بعد انتخابات عام 2021، لطالما شكّل الإكراه أساس هيمنتهم.

كما كانت الاشتباكات داخل الصف الشيعي شائعة في الدورات السابقة، وأبرزها في آب عام 2022 بين مقتدى الصدر، المرجع الشيعي الشعبوي وزعيم حركة الصدر، والإطار التنسيقي (CF)، التحالف الرئيسي للأحزاب الشيعية الإسلامية.6 وانتهت الحادثة بانسحاب الصدر من السياسة، ما أتاح للإطار التنسيقي تعزيز سيطرته على البرلمان والوزارات وقطاع الأمن.7 منذ ذلك الحين، ركّز التحالف على إضعاف خصومه المتبقين عبر كامل الطيف السياسي.8 ومن خلال الأحكام القضائية والتحقيقات المستهدفة، أزاح التحالف رئيس البرلمان السني محمد الحلبوسي في عام 2023 بتهم فساد. وبالتوازي، قوض التحالف نفوذ الأكراد عبر استخدام المحكمة الاتحادية العليا لإيقاف تحويلات الميزانية إلى حكومة إقليم كردستان في عام 2024. تم استيعاب الحركات والأحزاب الناشئة عن الاحتجاجات عبر عروض لتولي المناصب الإدارية وتمويل من الدولة ودمجها في المجالس المحلية. معًا، عززت هذه الإجراءات هيمنة تحالف الإطار التنسيقي بشكل أكبر قبيل انتخابات 2025.9

ومع ذلك، تستمر المنافسة داخل تحالف الإطار التنسيقي نفسه، وهو سمة مميزة للسياسة الشيعية بعد عام 2003. وفي عام 2025، يتركز الانقسام الرئيسي حول مستقبل السلاح. أدت تصاعد العقوبات الأميركية وضعف محور المقاومة الإيراني بعد صراعه مع إسرائيل إلى زيادة الضغط على نزع السلاح، مما كشف عن الانقسامات داخل الصف الشيعي. إن اغتيال المشهداني في أكتوبرعام 2025، الذي كان ينتقد الميليشيات، واشتباك كتائب حزب الله في بغداد في تموز عام 2025، الذي أسفر عن مقتل شرطي ومدني، يسلّط الضوء على تقلب الأوضاع المحيطة بهذه المناظرة. مواءمة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، المرتبط بتحالف إطار التنسيقي، مع الجناح المؤيد لنزع السلاح عمّقت الانقسامات داخل التحالف بينما السوداني يسعى لإعادة انتخابه لولاية ثانية. لذلك، تتّسم انتخابات عام 2025 بعنف محدود قبل الاقتراع، لكن بصراع متصاعد داخل النخبة حول من يسيطر على أدوات القسر بعد التصويت — وهو صراع من المرجّح أن يحدد مسار المفاوضات ما بعد الانتخابات وتشكيل الحكومة.

السياسة الكردية: العنف، القمع، والمنافسة المُدارة

قد هيمن على السياسة الكردية في العراق منذ زمن طويل حزبان متنافسان: الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP) بقيادة عائلة البرزاني والمتمركز في أربيل ودهوك والاتحاد الوطني الكردستاني (PUK) الذي قادته تاريخيًا عائلة الطالباني ويتمركز في السليمانية.10 وتمكّن احتكار حزبي KDP وPUK للسلطة من الحفاظ على استقرار نسبي منذ التسعينيات، لكن العنف لا يزال أداة سياسية أساسية.11 عزّز الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP) هيمنته على حكومة إقليم كردستان ومؤسساتها، ما قلّل من خطر اندلاع اشتباكات بين الأحزاب. ومع ذلك، لا تزال مواسم الحملات الانتخابية تُثير التوترات، كما حدث في اشتباكات أربيل في أكتوبر 2024 عقب مهرجان إنتخابي للاتحاد الوطني الكردستاني خلال انتخابات برلمان إقليم كردستان.

بينما بقيت المنافسة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني إلى حد كبير غير عنيفة، كانت الأحزاب الأصغر هدفًا لقمع وعنف شديدين (انظر للخريطة أدناه). منذ حزيران من عام 2025، اعتقلت السلطات الكردية ثلاثة من قادة المعارضة في السليمانية: شاسوار عبد الواحد، رئيس أكبر حزب معارض، حركة الجيل الجديد (NGM)؛ آرام قادر، زعيم التحالف الوطني؛ ولهور شيخ جانغي، رئيس حزب الجبهة الشعبية.12 وأثار اعتقال جانغي في آب عام 2025 اشتباكات عنيفة أسفرت عن مقتل عدة أشخاص وإصابة عشرات من أنصار جانغي.13 وسط هذا المناخ من الترهيب، أعلنت مجموعات أخرى، مثل الحركة الإسلامية في كردستان، أنها ستقاطع الانتخابات.14

إلى جانب استهداف الأحزاب المعارضة الصغيرة، قام كلا الحزبين المهيمنين بتنفيذ هجمات منظمة على وسائل الإعلام والمجتمع المدني. وسجّل المراقبون الأكراد والدوليون اعتقالات متكررة للصحفيين، ومحاكمات غير عادلة، وترهيب النشطاء، وحتى احتجاز طويل للمنتقدين، مما خلق تأثيراً مخيفاً يثبط التحشيد للاحتجاج والتقارير التحقيقية.15 في أربيل، قد قامت السلطات بمحاكمة وتمديد أحكام السجن للمنتقدين مثل الصحفي شروان شرواني، بينما قامت قوات الأمن مؤخراً بضرب واعتقال صحافيين يغطون الاحتجاجات.16

أصبح تطبيع كل من القمع العنيف والقيود غير العنيفة واضحاً بشكل خاص في أجزاء عديدة من المنطقة حيث يتم التنازع على سيطرة الأحزاب فيها. هذا النمط المتجذر يقلص مساحة المرشحين المعارضين ويثبط التحشيد، مما يضعف المنافسة الانتخابية بشكل أكبر.

السياسة السنية: القمع المُدار والقيادة المجزأة

على عكس الكتل الشيعية والكردية التي ضمنت الهيمنة داخل دوائرها الانتخابية والسيطرة على موارد الدولة، تبقى ساحة السياسية السنية مجزأة وغير مستقرة (انظر للخريطة أدناه). وقد أضعفت دورات التهميش والتلاعب كل من مشاركة الناخبين وتنظيم الأحزاب.

وتم إحباط جهود رئيس البرلمان السابق حلبوسي لتوحيد السيطرة على المساحة السنية من قبل منافسين شيعيين استخدموا المحاكم والتحالفات المنافسة للحد من نفوذه، مما ترك المعسكر السني منقسماً بين اثنين من أصحاب النفوذ المالي: حلبوسي ومنافسه القديم خميس الخنجر من تحالف السيادة. وانضم إليهم الآن مثنى السمرّي من تحالف العزم، الذي يمنحه تزايد الدعم العشائري مكانة المنافس الثالث في سباق انتخابي بين أصحاب النفوذ.17 لذلك تُعد انتخابات عام 2025 شديدة التنافسية، مع مشاركة ما لا يقل عن خمس تحالفات سنية رئيسية في الصراع على الهيمنة.

ومنذ عام 2023، أدت التدخلات القضائية، وتحقيقات إزالة البعث، و استبعاد المرشحين السنة البارزين إلى تضييق الفضاء السياسي بشكل أكبر.18 مع محدودية الوصول إلى الرعاية الحكومية، أصبح التنافس السني متزايد الطابع المصلحي ويركز على شراء الولاء العشائري والمحسوبية المحلية والدعم الخارجي من تركيا ودول الخليج. يعتمد حزب التقدم الحلبوسي على شبكات عشائرية أنبارية وحلفاء وزاريين؛ بينما يسعى حزب السيادة للخنجر وتحالف العزم للسمرّي للحصول على دعم تركي ونخب من المحافظات. لقد عمّقت هذه الاستراتيجيات المتنافسة الانقسامات المحلية بدل أن تُنتج أجندة موحدة.

يستمر النظام ما بعد الدولة الإسلامية في تقييد الحياة المدنية السنية. وفي محافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين وديالى، يحدّ الوجود المستمر لقوات الحشد الشعبي من الاستقلالية المحلية، بينما تستمر القيود الأمنية والنزوح في كبح مشاركة الناخبين. لا تزال آلاف العائلات النازحة تواجه حواجز أمام التسجيل، وفي العديد من المناطق، تشكّل نقاط تفتيش الحشد الشعبي طريقة التحكم في الوصول إلى مراكز الاقتراع والإدارة المحلية. معاً، قامت الأدوات القسرية والإجرائية بتأسيس تهميش الأحزاب السنية السنة بشكل مؤسسي، مما ترك المجتمع السنّي بقدرة تأثير محدودة على الصعيد الوطني، حتى مع تصاعد المنافسة الداخلية بين السنة قبل تصويت عام 2025.

ما وراء العنف: التوحيد والاحتجاج المحدود والمظالم المتزايدة

كما يوضح الرسم البياني أدناه، يشكّل القمع العنيف وغير العنيف ديناميكيات الاحتجاج بشكل مختلف في أنحاء العراق. في المحافظات الشيعية مثل البصرة، قلّلت الإجراءات غير العنيفة مثل المراقبة، والملاحقات القانونية، وشبكات المحسوبيات من حجم التظاهرات الكبيرة مقارنة بموسم 2019-2020. في المناطق السنية، قلّلت الحواجز المنظمة — النزوح، ونقص الوثائق، وسيطرة الميليشيات على الحركة — من النشاط الاحتجاجي. في المحافظات الكردية، خصوصاً السليمانية، أدت الاعتقالات القسرية والعنف المستهدف ضد الأحزاب المعارضة والصحفيين إلى تظاهرات متكررة لكنها محلية ومتمركزة.

Demonstrations in Iraq 1 January 2016 - 24 October 2025

تُظهر هذه الاختلافات الإقليمية كيف يقوم النخب بتفصيل القمع: استخدام القمع العنيف عندما تتنافس الفصائل المعارضة علناً على السلطة، والضغط المؤسسي أو الاقتصادي عندما يرغبون في منع المعارضة قبل ظهورها. والنتيجة الإجمالية هي انخفاض حاد في تكرار الاحتجاجات وشدتها على مستوى البلاد. تؤكد استطلاعات الرأي العام أن الثقة بالانتخابات والمؤسسات السياسية قد انخفضت إلى مستويات تاريخية، مع تراجع نسبة المشاركة إلى أقل من 30% في بغداد، ومتوسط 40% في معظم جنوب البلاد، وأقل من 40% في السليمانية في الانتخابات البرلمانية لعام 2021.19 يعكس تراجع مشاركة الناخبين حالة الإحباط: ففي حين يحتفظ المستقلون والحركات الناشئة من الاحتجاج مثل امتداد أو الجيل الجديد ببعض الدعم، إلا أن مساحتها تقلصت بشكل كبير.

يمتد هذا التوحيد ليشمل السيطرة على السرديات. فقد احتكّت وسائل الإعلام الموالية للدولة ومنصات الميليشيات بمساحة الإعلام بشكل منهجي، بينما يواجه الصحفيون والنشطاء والكوميديون المعارضون مضايقات وملاحقات قضائية بموجب قوانين التشهير أو الجرائم الإلكترونية أو الأخلاق العامة. تمثل ملاحقة الصحفيين بموجب المادة 226 من قانون العقوبات، وتعليق برنامج أحمد ملا طلال الشهير، وحملة "المحتوى الهابط" ضد المؤثرين، أمثلة على كيفية تجريم النقد.20 من خلال تصوير القمع على أنه تطبيق للقانون والنظام، يصوّر القادة السياسيون المعارضة على أنها مصدر عدم استقرار، ويعززون نسختهم الخاصة من الشرعية.  يضمن هذا التحكم في السرد أنه حتى مع استمرار السخط، يظل النقاش العام مُداراً بإحكام.

لقد جلب القمع، بالتالي، استقراراً نسبياً لكنه أضعف شرعية الدولة. أصبحت التظاهرات أقل عدداً وأكثر محلية، لكن المظالم تظل تتراكم تحت السطح. يتكيف فاعلو المجتمع المدني من خلال التنقل بين الساحة الانتخابية والشوارع والمجتمع المدني، لكن النظام يمنع التغيير الجذري. تعكس انتخابات العراق لعام 2025، بالتالي، مفارقة: فهي أكثر تحكماً وتوقعاً من أي وقت مضى، لكنها تشير إلى نظام تحت ضغط متزايد من المواطنين الذين يواصلون رفض أسسه.

الرسومات بواسطة آنا ماركو.

Footnotes

  1. 1

    يستثني تحليل البيانات في هذا التقرير الحوادث التي تشمل القوات العسكرية التركية أو حزب العمال الكردستاني، ويركز فقط على العنف السياسي الذي تنفذه الجماعات والجهات المسلحة المحلية.

  2. 2

    حيدر الموسوي، "بين وعد الديمقراطية والإخفاقات المتكررة لنظام الانتخابات العراقي"، معهد واشنطن، 6 يونيو 2025؛ سردار عزيز، انتخابات العراق بعد عقدين من الديمقراطية"، EIS MENA، 11 يونيو 2025.

  3. 3

    عمر النيّدَوي، "الديمقراطية العراقية عند مفترق طرق مع اقتراب الانتخابات البرلمانية"، أمواج ميديا، 3 يوليو 2025؛ ياسر كيوتي وعلي طاهر الحمود، "انتخابات العراق 2025: إعادة توازن للسلطة، لا كسر للوضع القائم"، الحرب على الصخر، 11 سبتمبر 2025

  4. 4

    وينثروب رودجرز، "هل ستهدد التوترات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني وحدة كردستان العراق؟"، النيو عرب، 4 نوفمبر 2024؛ يريفان سعيد، "كردستان خرجت من أحدث انتخابات أكثر انقساماً من أي وقت مضى"، معهد نيولاينز، فبراير 2025

  5. 5

    عرب نيوز، "العراق يطلق تحقيقاً بعد مقتل مرشح انتخابي في تفجير ببغداد"، 15 أكتوبر 2025؛ السومرية، "هجمات مسلحة ضد مرشحين من 7 أحزاب خلال أسبوعين... عنف انتخابي أم 'دعاية انتخابية مفبركة'؟"، 29 أكتوبر 2025

  6. 6

    رناد منصور وثاناسيس كامبانيس، "العراق بعد 20 عاماً: تأملات من الداخل حول الحرب وتداعياتها"، تشاتام هاوس، 20 مارس 2023

  7. 7

    كريسيس غروب، "العراق: تفادي عدم الاستقرار في المستقبل القريب والبعيد"، 31 يناير 2023؛ شفق نيوز، "توضيح: الإطار التنسيقي العراقي وصعوده إلى السلطة"، 9 سبتمبر 2025

  8. 8

    مارييت هاجلوند، "حالة الديمقراطية في العراق"، المعهد الفنلندي للشؤون الدولية، فبراير 2022؛ سيمونا فولتين، "المشكلة مع حلبوسي: الصعود الاستثنائي والسقوط الوشيك لزعيم السنة العراقي"، مركز الشرق الأوسط، كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، 16 يونيو 2023

  9. 9

    أمواج ميديا، "هل سيقتل الاستبعاد 'غير المسبوق' للمرشحين الانتخابات العراقية؟"، 16 سبتمبر 2025؛ روداو، "أكثر من 60 حزباً سياسياً مُنع من المشاركة في الانتخابات التشريعية العراقية"، 27 أكتوبر 2025

  10. 10

    وينثروب رودجرز، "لم يعدوا متساوين: انهيار تقاسم السلطة في كردستان العراق"، المعهد الملكي للخدمات المتحدة، 11 سبتمبر 2011؛ نوارس جاف، "الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي: عصر جديد من الصراع"، معهد واشنطن، 21 ديسمبر 2022

  11. 11

    ميديا نيوز، "اندلاع اشتباكات في كردستان العراق وسط توترات انتخابية بين الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني"، 16 أكتوبر 2024؛ شيفان فاضل، "إقليم كردستان العراق يجري أخيراً انتخاباته. إليكم كيف ستسير الأحداث"، المجلس الأطلسي، 18 أكتوبر 2024

  12. 12

    دانا طيب منمي، "توقعات بانخفاض نسبة مشاركة الناخبين في الانتخابات البرلمانية العراقية وسط انقسامات سياسية متزايدة"، النيو عرب، 18 سبتمبر 2025

  13. 13

    كاماران عزيز، "ماذا حدث في اشتباكات الاتحاد الوطني–لهور في السليمانية؟"، كردستان 24، 24 أغسطس 2025

  14. 14

    شفق نيوز، "انتخابات العراق: الحركة الإسلامية في كردستان تنضم إلى المقاطعة المتزايدة"، 9 أكتوبر 2025

  15. 15

    الاتحاد الدولي للصحفيين، "كردستان العراق: اتحاد الصحفيين يُبلغ عن 45 حالة انتهاك لحقوق الإعلام والصحفيين في 2024"، 14 يناير 2025؛ منظمة العفو الدولية، "العراق: يجب على السلطات في إقليم كردستان العراق إنهاء هجومها على حرية الصحافة فوراً"، 2 مايو 2024

  16. 16

    بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، "الأونامي تعبر عن قلقها بشأن إدانة الصحفي شروان شرواني"، 21 أغسطس 2025

  17. 17

    يحيى الكبيسي، "حلبوسي وتجليات أزمة التمثيل السني"، EIS MENA، 4 ديسمبر 2024؛ علي المولوي، "مأزق رئاسة البرلمان: ما يكشفه الجمود الذي دام عاماً عن السياسة السنية في العراق"، أفكار عراقية، 25 أكتوبر 2024

  18. 18

    أمواج ميديا، "هل سيقتل الاستبعاد 'غير المسبوق' للمرشحين الانتخابات العراقية؟"، 16 سبتمبر 2025؛ بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات في العراق، "التقرير النهائي للانتخابات البرلمانية 2021"، 10 أكتوبر 2021

  19. 19

    أراب باروميتر، "أراب باروميتر VIII: تقرير العراق"، ديسمبر 2024؛ كردستان 24، "تحديث: مفوضية الانتخابات العراقية تسجل نسبة مشاركة ناخبين تزيد قليلاً عن 42٪"، 10 أكتوبر 2021

  20. 20

    منظمة العفو الدولية، "العراق: بيان مشترك: يجب على السلطات العراقية إنهاء القمع المخيف لحرية التعبير"، 2 مارس 2023

Country
Iraq
Share on

Related content