انتقال المعارك إلى كردفان مع ترسّخ الانقسام الشرقي الغربي في السودان
انتقلت المعارك إلى كردفان مع ترسّخ الانقسام الشرقي الغربي في السودان في ظل سعي القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إلى بناء حكومتين متوازيتين وتحديث ترسانتهما، فإنه من غير المرجح أن تنتهي قريبا أكثر النزاعات دموية في العالم على المدنيّين.
Also available in English
بالأرقام
من 1 يناير إلى 28 نوفمبر 2025
أسفر العنف المرتبط بالنزاع عن مقتل أكثر من 17 ألف شخص في أنحاء السودان.
قتلت هجمات قوات الدعم السريع وحدها ما لا يقل عن 4 آلاف مدني.
مقارنةً بالأشهر الأحد عشر الأولى من عام 2024 سُجّلت ضربات بالطائرات المسيّرة أكثر بنسبة 47%
مع اقتراب أكثر نزاعات أفريقيا فتكاً من إكمال عامه الثالث، تمكّنت القوات المسلحة السودانية وحلفاؤها من استعادة السيطرة على مناطق واسعة في وسط السودان، في حين حققت قوات الدعم السريع مكاسب مهمّة في دارفور. وخلال الأعوام السابقة من النزاع، كان نطاق السيطرة بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية أشبه برقعة مفرّقة غير أنّ مكاسب الدعم السريع في الغرب وترسيخ الجيش لسيطرته في الشرق ينذران بتقسيم البلاد إلى كتلتين منفصلتين.
وجاء ترسيخ هذا التقسيم الفعلي مع تحقيق القوات المسلحة السودانية وحلفائها مكاسب استراتيجية في استعادة الخرطوم، بينما ركّزت قوات الدعم السريع على حصار الفاشر— آخر مدينة كانت القوات المسلحة السودانية والقوات المشتركة المتحالفة في دارفور تسيطر عليها داخل الإقليم. وفي نهاية المطاف، سيطرت قوات الدعم السريع على المدينة في 26 أكتوبر/تشرين الأول، ونفّذت حملة عنيفة أفادت التقارير بأنها أودت بحياة أكثر من 1,300 مدني خلال الأسبوع الأول من سيطرة الدعم السريع، مما جعله الأكثر دموية خلال الحرب. وهذا تقدير متحفظ لعدد القتلى في ذلك الأسبوع. يشير القتل السريع واسع النطاق والمقابر الجماعية، أنه من الأرجح أن يكون عدد المدنيين الذين قُتلوا أكبر مما جرى الإبلاغ عنه. ومع الاستيلاء على الفاشر، عزّزت قوات الدعم السريع سيطرتها على إقليم دارفور، بما في ذلك رواسبه الغنية بالذهب1 وخط إمداد حيوياً إلى ليبيا وتشاد، كما يتيح ذلك لقوات الدعم السريع تركيز قواتها ومعدّاتها في جبهات أخرى.
وأدّت استعادة القوات المسلحة السودانية للخرطوم إلى انتقال القتال جنوباً نحو إقليم كردفان. وهناك، تقاتل القوات المسلحة السودانية وحلفاؤها لتأمين خطوط إمداد حيوية تربط وسط السودان بدارفور، ولتوسيع عملياتها الهجومية غرباً داخل دارفور (انظر إلى الخريطة أدناه). وفي الوقت نفسه، تسعى قوات الدعم السريع إلى ترسيخ سيطرتها الميدانية على كردفان لإحكام إدارتها الموازية في غرب السودان.
ويتزامن هذا التقسيم الفعلي مع تشكيل حكومتين متوازيتين. فقد أعادت القوات المسلحة السودانية تأسيس حكومة في بورتسودان شرقي البلاد. وعيّن قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، كامل إدريس رئيساً للوزراء في مايو/أيار 2025، بينما شكّلت قوات الدعم السريع حكومة مقرّها في نيالا، عاصمة جنوب دارفور، بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروف شعبياً بـ(حميدتي). وعلى الرغم من ادّعائهما أنهما حكومتان مدنيتان، فإن كليهما يقوم على ترتيبات لتقاسم السلطة بين جماعات مسلّحة.2
ورغم اتضاح مناطق السيطرة الشرقية والغربية، سمحت ترسانة الدعم السريع المحسّنة من الطائرات المسيّرة للجماعة بتنفيذ ضربات أعمق داخل أراضٍ يسيطر عليها الجيش، مثل بورتسودان. في السابق، كانت القوات المسلحة السودانية تهيمن على الحرب الجوية باستخدام المسيّرات والطائرات المأهولة. ومع ذلك فإنّ قوات الدعم السريع حصلت في عام 2025 على مخزون متزايد من طائرات FH-95 المسيّرة، وشنّت العديد من الهجمات بعيدة المدى ضد مواقع الجيش (انظر إلى الرسم البياني أدناه).3 كما كثّفت قوات الدعم السريع استخدام المسيّرات أثناء السيطرة على الفاشر، وهددت مواقع الجيش وصولاً إلى الخرطوم وبورتسودان انطلاقاً من مقرّها في نيالا، جنوب دارفور. وأجبرت هذه الضربات الجيش على تعديل قراراته التكتيكية، مثل نقل طائرات إلى إريتريا المجاورة.4
ولا يزال التدخل الخارجي يساهم في إدامة الحرب. فالإمارات العربية المتحدة تقدّم دعماً مادياً مباشراً لقوات الدعم السريع، التي تستفيد أيضاً من شبكة دولية واسعة تمتد عبر جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد وليبيا وكينيا وجنوب السودان وأوغندا. وفي المقابل، تميل السعودية إلى الاصطفاف مع القوات المسلحة السودانية، المدعومة كذلك من مصر وإيران وباكستان وتركيا. يثير دور الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية تدقيقاً دولياً: فبينما تسهمان في إدامة النزاع عبر الاصطفاف مع أطرافه المتحاربة، تشاركان أيضاً في جهود وساطة مستمرة لإنهاء الحرب الأهلية في السودان.
اتفاق السلام يبدو بعيداً في 2026 بينما يكرّس كل جانب مكاسبه
تبدو فرص إنهاء الحرب الأهلية في السودان بشكل فوري ضعيفة. فمع خضوع شرق السودان لسيطرة القوات المسلحة السودانية وغربه لسيطرة قوات الدعم السريع ، من المُرجح أن يعمل كل طرف خلال العام المقبل على ترسيخ مكاسبه والسعي إلى توسيع نطاق سيطرته ولا سيما في كردفان حيث لا يزال القتال مستمراً. ومع تعزيز قوات الدعم السريع سيطرتها في دارفور، قد تشن أيضاً هجوماً باتجاه الولاية الشمالية، التي لم تشهد تنافساً منذ بداية النزاع وما زالت تحت سيطرة الجيش.
وشملت المبادرات الدولية لإنهاء الحرب الولايات المتحدة والإمارات والسعودية ومصر، في إطار ما يُعرف بالآلية الرباعية الدولية. وتستضيف (الرباعية) محادثات مع طرفي الحرب بهدف التوصل إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر يعقبها وقف إطلاق نار دائم، وبدء مفاوضات سياسية داخلية لتأسيس حكم مدني يستبعد الجماعات الإسلامية المتحالفة مع القوات المسلحة السودانية والمرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين.5 وقد رفضت القوات المسلحة السودانية هذا الطرح لأن الاستبعاد المقترح للجماعات الإسلامية يمسّ مصدراً مهماً للقوة البشرية: فالجماعات المسلحة المرتبطة بالتيارات الإسلامية مثل (كتيبة البراء بن مالك) الذي يُقدَّر عدد مقاتليها بحوالي 20 ألفاً، تلعب دوراً مهماً في القدرة القتالية للجيش.6 إلا أنّ القوات المسلحة السودانية تنفي تأثير الإخوان المسلمين داخل المؤسسة العسكرية، وهو ما قد يهدف إلى طمأنة السعودية ومصر والحفاظ على دعمهما.7
وفي انتظار تطورات اتفاق وقف إطلاق النار، قد تؤثر قضيتان رئيسيتان في مسار النزاع: ترسيخ حكومتين متنافستين وتحديث قدرات قوات الدعم السريع في الحرب الجوية. ويتعين على الطرفين التعامل مع الانقسام الداخلي والصراعات بين الحلفاء حول توزيع المناصب الوزارية والإيرادات، مما يكشف هشاشة ترتيبات تقاسم السلطة لدى كل طرف.8 ورغم نجاح الطرفين حتى الآن في احتواء الخلافات الداخلية، فإن أي تغييرات في هذه التفاهمات قد تقود إلى اقتتال داخلي.
ويضم تحالف الحكومة التي تقودها قوات الدعم السريع جماعات لا يربطها تاريخ طويل من التعاون ولا أيديولوجيا مشتركة، وتأتي في مقدمتها الحركة الشعبية للتحرير السوداني (SPLM-N) بقيادة عبد العزيز الحلو.9 فعلى سبيل المثال، استبعدت حركة الحلو و(تجمع قوى تحرير السودان) دمج مقاتليهما ضمن قوات الدعم السريع، رغم أن الميثاق ينص على أن الحكومة التي تقودها قوات الدعم السريع تدعو إلى جيش موحّد. وفي المقابل، ورغم وجود تاريخ أطول من التعاون داخل معسكر القوات المسلحة السودانية، فإن الاعتماد على فصائل إسلامية نافذة يحمل مخاطر إعادة النفوذ إلى القوى نفسها التي أُقصيت خلال الثورة الشعبية التي أطاحت بالرئيس السابق عمر البشير وحزبه «المؤتمر الوطني» في عام 2019.
وبالتوازي، ينشغل الطرفان بتحديث ترسانتيهما. فتصاعد استخدام قوات الدعم السريع للطائرات المسيّرة، وحصولها على تقنيات تشويش محسّنة وصواريخ أرض-جو وأسلحة مضادة للطائرات أكثر تطوراً، قد يقلّص تفوق القوات المسلحة السودانية في القتال الجوي وهو تفوق استراتيجي حافظ عليه الجيش منذ اندلاع الحرب. وسيواصل الجيش استخدام أسطوله من الطائرات والمسيّرات، بما في ذلك الاعتماد بصورة أكبر على مسيّرة «سفروق» المُنتَجة محلياً، والتي دخلت الخدمة في 2025. وتتميّز هذه المسيّرة بمقاومة التشويش وبمدى يصل إلى 600 كيلومتر، ما يتيح لها ضرب أهداف عميقة داخل دارفور الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع.10
وقد حوّل تجاهل سلامة المدنيين السودان إلى أكثر نزاعات أفريقيا دمويةً بالنسبة للمدنيين. وتواجه التجمعات السكانية في المدن المتنازع عليها مثل الأبيض، عاصمة شمال كردفان، خطراً مرتفعاً بأن تعلق في مرمى النيران المتبادلة أو تُترك بلا حماية أمام عمليات قتل جماعية انتقامية ذات دوافع عرقية. وتؤكد أمثلة عدة من ولايتي دارفور والجزيرة حجم هذا الخطر.
وأثارت عمليات القتل الجماعي التي نفذتها قوات الدعم السريع في الفاشر مطالب داخل الولايات المتحدة بتصنيفها منظمة إرهابية.11 ومن شأن هذا التصنيف أن يعيد تشكيل كيفية تعامل الدول والهيئات الدولية المتحالفة مع واشنطن مع قوات الدعم السريع؛ إذ سيترتب عليه تبعات قانونية ومالية على الحكومات والشركات التي تقدم لها تمويلاً أو أسلحة أو دعماً لوجستياً، ما يجعل تزويدها بالسلاح والمسيّرات أكثر خطورة على المورّدين وأصعب على قوات الدعم السريع من حيث تمويل عملياتها عبر صادرات الذهب. غير أن ذلك قد يقلل أيضاً من فرص التوصل إلى تسوية تفاوضية، عبر زيادة عزل قوات الدعم السريع وتعقيد مسار المفاوضات. سيظل الضغط الدولي المنسق ضرورياً لدفع طرفي الحرب إلى طاولة التفاوض.
ويصنَّف السودان ضمن الدول الخمس الأولى عالمياً من حيث أشد مستويات العنف السياسي فتكاً
The ACLED Conflict Index is a global assessment of how and where conflicts in every country and territory in the world vary according to four indicators — deadliness, danger to civilians, geographic diffusion, and the number of armed groups.
Explore further
Conflict Watchlist 2026
Footnotes
Related content